محمد نبي بن أحمد التويسركاني
37
لئالي الأخبار
واللباس ، ولا تدخر لغد ، ودم على ذكرى ، فقال : يا رب كيف أدوم على ذكرك فقال : بالخلوة عن الناس ، وبغضك الحلو والحامض ، وفراغ بطنك وبيتك من الدنيا . يا احمد احذر أن تكون مثل الصبى إذا نظر إلى الأصفر والأخضر ، وإذا اعطى شيئا من الحلو والحامض أغربه . فقال : يا رب دلني على عمل أتقرب به إليك قال : اجعل ليلك نهارا ونهارك ليلا ، قال : يا رب كيف ذلك قال : اجعل نومك صلاة وطعامك الجوع وقال أبو عبد اللّه : مر سلمان على الحدادين بالكوفة وإذا بشاب قد صرع ، والناس قد اجتمعوا حوله فقالوا : يا أبا عبد اللّه هذا شاب قد صرع ، فلو جئت وقرأت عليه في اذنه فجاء سلمان فلما دنا منه رفع الشاب رأسه فنظر اليه فقال : يا أبا عبد اللّه ليس في شئ مما يقول هؤلاء ولكن مررت بهؤلاء الحدادين يضربون بالمرازب فذكرت قوله تعالى : « وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ » وقد روى إن عيسى عليه السّلام مر بثلاثة نفر قد تخلت أبدانهم : وتغيرت ألوانهم ، فقال لهم : ما الذي بلغ بكم قالوا : الخوف من النار . وروى أن بعض الأنبياء مر بحجر صغير يخرج منه ماء كثير فتعجب فأنطقه اللّه تعالى فقال : منذ سمعت قوله تعالى : « وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ » * أنا أبكى من خوفه فسئله أن يجيره من النار فأجاره ثم رآه مدة مثل ذلك فقال : لم تبكى الآن ؟ فقال : ذاك بكاء الخوف ، وهذا بكاء الشكر والسرور ، ويأتي قريبا في لؤلؤ ما يرغب به المتبصر عن الدنيا حال الملائكة الذين كانوا حول العرش في ذلك ويأتي في الباب العاشر في لؤلؤ صفة جبل كان في جهنم يقال له السكران خوف يحيى عليه السّلام وبكائه وزهده من ذلك ، تذكرهما يناسب المقام ، وفي التاريخ إن ابن الأثير صاحب النهاية كان فاضلا في جميع العلوم وكان معظما لدى الملوك والسلاطين ، وله المناصب الجليلة عندهم ، فمرض مرة مرضا صعبا ، فأناه طبيب حاذق ، فعالجه حتى أشرف على الصحة فأعطاه مالا جزيلا ، وقال له : أخرج من هذه البلدة فخرج الطبيب فلامه خواصه وأهله على عدم اكمال المداومة حتى يقع على الصحة ، فقال : إذا صح بدني اشتاقت نفسي إلى مناصب الدنيا ، ولم تدعني الملوك ونفسي ، فاخترت البقاء على مداومة هذه العلل والأمراض على الصحة . ثم إنه شرع في تأليف الكتب والاقبال على تصفية النفس حتى صنف كتبا كثيرة كل واحد منها علم في فنه .